الثلاثاء, 14 تشرين1/أكتوير 2014 09:35

الأخلاق التطبيقية في الفكر الإسلامي: نظرة خاطفة في التاريخ والراهن والمستقبل

كتبه 

د.رحيم الساعدي

الأخلاق التطبيقية موضوعة جديدة ربما صنعها الكساد الفكري أو التطور التكنولوجي والإداري وهي تهتم بمسائل ومآزق أخلاقية ترتبط بالطب والاقتصاد و السياسة والتعليم والإعلام والعديد من المفاصل الحضارية التي تنتج عند تشغيلها أو احتكاكها معوقات أو تحديات تقود إلى ضرورة إعطاء إجابة أخلاقية أو مناقشة تلك الإجابات .

والقول انها بدأت حديثا اصطلاحا ولغة واحتكاكا بالتطور الحضاري هو قول سليم ، إلا إننا نقارب الأفكار في الماضي والحاضر بالاعتماد على الفكرة أكثر من الاصطلاح فإذا تناول السابقون أفكارا هي ذاتها أو مقاربة لها في الوقت المعاصر فان ذلك يستدعي وصف تحليل تلك المقارنة لسببين الأول هو مقاربة للأفكار ومعرفة ضعفها أو قوتها والثاني تحريك الأفكار المعاصرة لاستنهاض الأفكار المختلفة الأخرى ، ولا يخفى أيضا ان المسالة برمتها تخضع للبحث العلمي الذي يحاول الوصول إلى نتيجة السلب أو الإيجاب على حد سواء .

 

 

ومن الباحثين العرب يبرز د.عمر بوفتاس الذي كتب عن أثر فلسفة الحق الكانطية في تأسيس البيوإتيقا ، إلا انه يستبعد ان الأخلاق التطبيقية وصلت العرب وإنما هي جهد غربي وصيحة للفلسفة العملية المعاصرة ، مع انها تكملة لما قبلها وتستند إلى الأخلاقيات الكلاسيكية وهي مغلفة بالجانب البركماتي نسبية الخير والشر أو الكذب والصدق وهي برأيه قواعد علمانية كما انها تداولية توافقية .

ومن تلك الإيضاحات والآراء يبرز عندي الكثير من النقد إلا انني سأقتصر على توضيح ان مجرد التطرق إلى الأخلاق التطبيقية سيعني – كشرط أساسي- انها أخلاق تتسم بالعملية ولا يشترط ان تكون مصاحبة للتطور التكنولوجي مع ان الأخير هو من افرز مصطلح الأخلاق التطبيقية أو الفكر البيواتيقي ، وأيضا فان وصفها بالنسبية يصح هنا لأنها تتعامل مع المنتج الإنساني ولكنها يجب ان تؤسس على العقل وان لا تنقطع عن الأسس الأخلاقية الكلاسيكية وإذا تم ذلك فان الأخلاق التطبيقية على هذا الأساس ستتعامل مع الجزئيات الأخلاقية التي تتواشج والحضارة والتطور (على اختلاف أو نسبية هذا التطور من زمن إلى آخر وحضارة إلى أخرى) وكل متغير قانوني أو (فقه قانوني ) وسنصل في نهاية المطاف إلى نتيجة ان لا حضارة أو زمن سيخلو من الأخلاق التطبيقية ( على نسبية وجودها) طالما انها تتعاطى مع خارطة قيمية لها أصول موجودة في تاريخ الفكر الإنساني وتتعامل ولو بشكل مبسط ولم ينحت اصطلاحه في وقتها مع تطور إداري أو سياسي أو علمي أو بيئي أو اجتماعي ....الخ ولقد عرفنا ان التطور العلمي في الحضارة الإسلامية والقانوني والإداري والسياسي وكل ما يمت إلى الحضارة كان موجودا ومنتشرا بشكل واضح وموثق ، كما ان مصنفي الأخلاق كانوا من القوة بحيث انهم وفقوا بين الآراء اليونانية الأخلاقية والفكر الإسلامي ، ولا تسهل هذه المهمة ربما بين دين ودين آخر مثلما دجنت في الفكر الإسلامي بتلوين الفكر الإسلامي بالكثير من الآراء الأخلاقية اليونانية ، هنا يأتي السؤال الذي يبحث عن جوهر الأخلاق التطبيقية في الحضارة الإسلامية ، وسيكون بعض جوابه انه وجد في الفكر الفقهي ، وهو المساحة من الإجابة الفقهية أو القانونية التي وجدت عن بعض الفقهاء المتنورين أو نجد إجابتها في بعض آراء الفلاسفة عند الحديث بطريقة(ما بعد الكلاسيكية) .أو نجد إجابته في الآراء الطبية القيمة لأطباء الحضارة الإسلامية أو في الجوانب العلمية الأخرى كما عند جابر بن حيان والزهراوي وبن الهيثم وسواهم . بمعنى ان هؤلاء التطبيقيون او المنظرين لابد وانهم من زاوية صنعتهم العملية قد تناولوا الآراء الأخلاقية .

 

وإذا ارتأينا الدقة فان فهما تاريخيا للأخلاق التطبيقية سنجده في رحاب الطب القديم الذي لا ينفك عن الأخلاق والعلم أو حتى البيئة ، والنص الذي تحملها مسلة حمو رابي (بقتل الطبيب الذي يقتل مريضا بالخطا) تعطي صورة واضحة لقوانين أصلها مرتبط بالأخلاق وأطرافها بالقانون والطب وسوى ذلك وهذا تطبيق أخلاقي لا يقف مع أفكار الفضيلة والسعادة والتنظير الأخلاقي واللذة والألم بقدر وقوفه مع التطبيق الأخلاقي وهكذا يمكن القياس على موارد أخرى في الحضارات القديمة ، مرورا بآراء ابقراط وجالينوس وسواهم من أساطين الطب والعلم والسياسة ، وكل حديث يهتم بالقوانين الأخلاقية التي لا تتشابك والنظريات الأخلاقية النظرية جدا إنما هو ابن يدخل ضمن حضيرة التطبيق الأخلاقي أو التنظير الممكن للتطبيق الأخلاقي .

وإذا كانت مساحتي التي أدافع بها هنا عن وجود أخلاق تطبيقية في التاريخ تتسم بالضيق لأنها تستند على الجانب البيواتيقي أو الطبي الأخلاقي فان ذلك لا يمنع وجود آراء تهتم بالقانون الأخلاقي أو الأخلاق في العلم أو الأخلاق في السياسة أو السلطانية كما يصفها التاريخ الفلسفي السياسي .

وعلى هذا لا يمكننا بتاتا إنكار الجهد الموسوعي للفلاسفة المسلمين في تناول الطب والفلسفة والكيمياء وسواها من الموضوعات التي تتصل بالأخلاق التطبيقية ، وربما سبق ذلك التنظير الديني الذي يربط بين جوانب ثلاثة هي (الفقه والحكمة والطب) في الحضارة الإسلامية ، وإذا استطلعنا النصوص الكثيرة التي ترد عن الإمام علي مثلا سنعرف بان الشمولية في ذلك الفكر تعطي مساحة مهمة وكافية لتفسير ظواهر أو مشكلات طبية وفق حلول أخلاقية مغلفة بأسئلة فلسفية وفي أدبيات الإمام إيضاحات وتنظيرات أخلاقية عملية تطبيقية تحايث مفهوم الأخلاق التطبيقية ، بل ويمكن وصفها بالمقاربة لتناول مفاهيم أخلاقية كلاسيكية مثل اللذة والألم والفضيلة والسعادة والخير المطلق .فهو يتحدث عن التنبؤ الوراثي وعن النطف ولديه معرفة بالقانون الوراثي وأخلاقيات الحرب التطبيقية وحقوق الإنسان وأفكار بمخاطر الاستخدام الخاطئ للطاقة الحيوية الإنسانية وبمستويات تلوث الطبيعة المؤثر على تلوث الجنس الإنساني .

وربما لم يغب هذا الأمر (اقصد الحديث عن الأخلاق التطبيقية )عن فكر المعتزلة أو الفكر الكلامي الذي انشغل بجوانب يمكن تسميتها بالأخلاق التطبيقية الافتراضية أو الفقهية والتي تتحدث عن مرتكب الكبيرة وعذاب الأطفال وحشر الأجساد ، سيما إذا أخذنا بنظر الاعتبار انها أفكار تتحدث عن إشكاليات عامة تؤطر بمفاهيم الفقه والأخلاق والدين والعلم ، مع عدم تطور التكنولوجيا آنذاك.

لكنا لا نجد المتكلمين يتحدثون عن أخلاقيات تطبيقية جزئية ، مثل الحديث عن البيئة والأخلاق أو تغيرات الجنس الإنساني أو الدخول في صلب القانون الفقهي ، وكأنهم ترفعوا درجة عن الفقهاء ليجربوا حظهم بمسائل أكثر صعوبة وتقترب من الجدل العقلي والنظري المحض .

و نفهم أيضا ان الفلاسفة في جزئياتهم الأخلاقية بحثوا هذا الأمر وهكذا فعل الكثير من فلاسفة الأخلاق حتى قبل الحضارة الإسلامية مع أفلاطون وأرسطو وقبلهم سقراط الذين تحدثوا عن قتل للمعاقين واستئصالهم على يد أفلاطون من مدينته الفاضلة أو تنظيره للقيام بمشاعة النساء في تلك اليوتوبيا .

ولكن التعاطي الواضح للأخلاقيات التطبيقية كان مع الفقهاء الذين تحدثوا بشكل عملي عن ضرورة المحافظة على البيئة وتنظيم الحياة والتعاطي مع بايلوجيات الناس وسايكلوجياتهم أيضا والبت بإباحة نقل الأعضاء أم لا والتعامل مع الجينات (النطف) وبحث مرجعية ولادة الأبناء التعامل مع اختلاط الأنساب أو النطف وقد ذكرت في مقال سابق ان القران الكريم تطرق إلى أفكار الأمومة الأصلية بالقول ان أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم وتطرق إلى رفضه للمثلية الجنسية والى نقل الأعضاء ورفض القران قتل واستئصال النفس الإنسانية وغيرها من الأفكار الأخلاقية التطبيقية المؤسسة لقوانين ديناميكية متحركة .

 

ام ما تعلق براهنيتنا فإنني لن أتطرق لدور المغرب العربي في تناول هذه المواضيع الحيوية (وربما خصصت لها مقالا منفردا ) وسأكتفي وبعجالة بالتطرق للمفكر الإسلامي محمد صادق الصدر في العراق (والذي أسعدني ان باحثين ومفكرين في المغرب العربي اخذوا يقراون لفكر هذا الرجل )، هذا مع وجود إشارات فكرية أخرى مهمة لمفكرين آخرين تتحدث عن قوانين فقهية أو فكرية في جانب الأخلاق التطبيقية .

فحينما ظهرت بأمريكا(أخلاقيات الطب والبيولوجي) في سبعينيات القرن الماضي باهتمامها بالمشكل الأخلاقي ، كان هذا الجانب يطبق في العراق (وغيره من البلدان التي تستند على الفقه) بقوانين (فقهية افتراضية مستقبلية ) ، تناقش حدود ( دينية أخلاقية) يتوجب ان لا يتعداها الفرد وهي غالبا مفترضة بشكل :

1- يمتد إلى المستقبل الفقهي البعيد جدا ، لا الراهن الفقهي

2- أو المستقبل الفقهي القريب والمتوسط فقط ، كما في تنظيرات المفكر محمد صادق الصدر في فقه المسائل الحديثة وجوانبه البيولوجية المتشعبة والتنظيرات ( الفكرفقهية) المتعلقة بفقه الفضاء واحتمالات العيش هناك والتعامل مع الأموال والقوانين وفق تغير البيئة والجاذبية والزواج من المخلوقات الفضائية وطرق التكافل الاجتماعي واكل المواد السامة بعد تحويلها والعقوبات للقتل او القتل الخطأ والتعامل الأمم الأخرى ... الخ وكل ذلك يستند الى العقل ونجد مساحة أخرى لفكر الصدر تتوزع في ما وراء الفقه وحقوق الإنسان وفقه المجتمع حتى انه كتب في القانون الإسلامي من زاوية المنهج والأسس ، وكل هذا يعطي الانطباع الهام لريادة هذا الرجل للأخلاق التطبيقية وللفكر البواتيقي في العراق والعالم الإسلامي بالحديث في فقه الموضوعات الحديثة ولجنبة الأخلاق التطبيقية (مع عدم مناقشته المصطلح ) ، كما برع سابقا في الفكر المستقبلي وفلسفة التاريخ ، ذلك لأنه ينظر بشكل افتراضي يستند إلى العقل ويقترب كثيرا من الواقع التطبيقي للناس ( بحكم الفقه) ويفترض وفق خيال خصب جدا وبمعونة الاستقراء المنطقي الكثير من الافتراضات التي يجد لها الحلول فيما بعد .

اما عن المستقبل في هذا الجانب فأنني أدعو مستقبلا الى الاشتغال بهذا الجانب الفلسفي في العراق وفق البحث عن التراث الإسلامي او البحث في الفكر الفقهي لدينا سيما طلبة الحوزات العلمية (وبإمكانهم دراسته في مبحث علل الشرائع او الفقه او الأصول ) او المباحث الطبية الفقهية لتكون – مستقبلا - عاملا لتحريك الجمود الذي يغلف الحوزات العلمية بعدم الالتفات الى المختلف من الجوانب الفكرية والاستفادة منها.

كما ان لمشتغلي الفلسفة في العراق الدور المهم في البحث في التاريخ الفلسفي الإسلامي او المعاصر لاكتشاف الفكر التطبيقي في الأخلاق ام في غيره .

 

ولعلني اختم الحديث عن الأخلاق التطبيقية بمجموعة من الاستفسارات التي تساعد على تحريك البحث العلمي بالقول :

1- تعتمد الأخلاق التطبيقية على التنظير الفلسفي الأخلاقي – العلم وتطوراته – تشعبات الفقه أو القانون التنظيرية .

2- المنهج العام للأخلاق التطبيقية يأتي من الافتراض ( لو حدث فان – هل يمكن ان – إذا افترضنا ان – ماذا لو قمنا بـــ )

3- المقصود بالتطبيقية هو - إمكانية تطبيقها – افتراض تطبيقها – لها ارتباط بالمجتمع فقهيا ودينيا واقتصاديا وسياسيا وإداريا وإعلاميا ....الخ .

4- اشكاليتها انها لم يلتفت لها الكثيرون مع انها قضية عملية معاشة في كل وقت – ينفذ بعض أجزائها من زمن قديم وهو ما تمثل بالمعالجات الفقهية في الحضارة الإسلامية وبحسب تطور العلوم – أيضا هي تنفذ دون ان ينظر لها .

ولنا حديث أكثر توسعة في قابل الأيام إن شاء الله

 

 

سِراجُ القُطْرُب

بيْن التَّرَائِبِ

كمال التاغوتي: يَنْسَى لَيْلَهُ لِيَزُفَّ خَيْلَهُ نَجْمًا…

علَى ضِفَافِ الجَحِيمِ

كمال التاغوتي : سَــاحِرَةٌ تِلْكَ القَطِيفَةُ…

الضَّبَـــابُ

كمال التاغوتي: حِجَابٌ مِنْ مِيَاهٍ رَاحِلَة عَلَى صَهَواتِ…

أرْبَـــابُ الفَسَــــــــــــــــــــادِ

كمال التاغوتي: عَلَى جُــرْفِ هَــذَا النِّظَامِ السَّلِيخِ…

تشي غيفــارا

كمال التاغوتي تُغْوِيهِ أرْوِقَةُ البَحْــرِ فِي…

مختارات

الثّورَة العشواء

أزِفَ الوَيْلُ ** وَقَــسَا الدَّهْــرُ قُـمْـــــنَا…

الكاتب الصيني «مو يان» يحصل على جائزة نوبل للآداب 2012

 أعلنت الأكاديمية السويدية الملكية للعلوم في ستوكهولم،…

صورة

عجوز في مهب الريح.. متكئا… على عكازه.. ينتظر مقدم الحارة…
Default Image

وسائط تخزين المعلومات بأشعة الليزر

د. يعرب نبهان_ باحث واكاديمي * يستخدم شعاع الليزر بكثرة في…

إغراء

الليل.. لناو المساء يقتفي..أثر خطاناالمشتتة..فوق صفيح…

الاكثر قراءة

مَحَاجـرُ التـِّيهِ قـَـبْـضَـة ٌعُـنـْوَانـُهَا " أنـْـتِ سَـمَايْ ... "

( قـَالـَتْ ... اِنـْـتـَبهْ ... فـَقـَدْ إشْـتـَـبَهْ…

هجرة الأندلسيين إلى منطقة الريف من المغرب الأقصى

توطئــــــة:استقر المسلمون بالأندلس ثمانية قرون منذ أن…

المجاهدين – قصة قصيرة

حسين علي غالب تنزل الرايات ، ويرمي الجميع أسلحتهم…

إعلان نعي

يتدافع الأدباء والمثقفين والإعلاميين نحو ذاك البيت الصغير…
Default Image

تسالات الهدرة...

تسالات الهدرة...و ما عاد الكلام ينفعيهمني راسي..وما شي…