الثلاثاء, 01 أيلول/سبتمبر 2015 13:21

الحياة الدينية والحياة القومية لدى الكورد ........ ( دراسة من وجهة نظر نفسية )

كتبه  رمزي عقراوي

بقلم الشاعر والاعلامي / رمزي عقراوي من كوردستان - العراق

E-mail: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

مثلت الحياة الدينية شأنا عظيما في الاحوال التأريخية المهمة التي سيّرت الامة الكوردية عبر الزمن ، فما انفكت المسائل الدينية من المسائل الاساسية في حياة القبيلة الكوردية منذ اقدم العصور ولحد اليوم ، اذ أن اكثر الوان حياتها قد قامت على المعتقدات الدينية فمن منا لايرى حال القبائل الكوردية التي نوّمتها ، الامور الدينية خاصة تلك التي تعلقت بالاوهام والخرافات.

ونتيجة لذلك اصبحت لهذه الارهاصات تأثير بالغ الشدة على الاخلاق والمزاج النفسي للقبيلة الكوردية، اذ ان الدين يفرض قواعد السلوك فيتجه كي يتوحد مع الاخلاق التي لاتخرج من كونها قواعد سلوكية صرفة !

وبما ان المصادر الاساسية للمعايير الاجتماعية في القبيلة الكوردية تعود الى وجهي : - الآلهة من جهة و الى حكمة الماضي الموروث من جهة اخرى ، وبدرجة اقل من هذين المصدرين الى تعاليم الحاضر ولشيوع المعايير الدينية في القبيلة فلقد اصبحت المنطقة الكوردية مملوءة بأولئك الشيوخ والسحرة الذين لهم قوة عظيمة لايداع المثل العليا الوهمية والظواهر الباطلة ، واصبحت لهذه المثل قوة مهدئة و مضمرة لما في حياة الكوردي من نواحي قاتمة ومظلمة حيث القته في بيوت عامرة بآمال واحلام وردية .

من هنا يترآى لنا بأن الحياة الدينية قد مثلت دورا اجتماعيا وسياسيا كبيرا في حياتها وأثرت المعتقدات الدينية على اخلاق الكورد ومزاجهم النفسي . لكن في الطرف الاخر نجد بأن اخلاقه ايضا اثرت على الروح الدينية ....

وهكذا فأذا تصفحنا اوراق التاريخ القريب نجد بأن حكام الامبراطوريات العثمانية قد استغلوا هذا الجانب الديني الملتزم من قبل الكورد استغلالا فظيعا بحيث ادت منذ هاتيك القرون الى انتشار العداء الديني الطائفي بين الكورد وبقية ابناء المذاهب الدينية الاخرى!

ومن الملاحظ ان المعتقد الديني في بلاد العرب وفي بلاد الكورد يكاد يكون واحدا ولكننا نجد بأن كلتا الامتين قد حافظتا على صفاتهما النفسية الخاصة بها فنجد صفات الاستقلال والعزيمة والمبادرة والسيطرة والاعتداد بالنفس واضحة لدى الكورد وبالمقابل نجد تلك الصفات الخاصة بالعروبة لدى العربي.

وأذ تناولنا الحياة القومية بقدر مالها من علاقة بالحياة الدينية في القبيلة الكوردية لتبين لنا بأن رجال الدين كانوا من رجال الحركات القومية الكوردية في القرن التاسع العشر وبداية القرن العشرين .

وفي الفترة التأريخية المعاصرة قد لاح في الافق نوع من التغيير في النفسية الكوردية من الولاء المتطرف للقبيلة الى الولاء للوطن ككل ولكن هذا النوع من الانتقال لايزال في دور التكوين والنمو ويسير ببط ء شديد !

ومما لاجدال فيه ان العقيدة القومية غدت الان العقيدة الوحيدة في توحيد الشعب الكوردي المنقسم على نفسه بصورة قبائل متنازعة .

ولما كانت وحدة الدين الاسلامي عاملا اساسيا في توحيد قبائل العرب المتناحرين في عصر كان للدين الاثر الاكبر في قيادة الامم فلقد اصبحت القومية في هذا العصر مثلا اعلى لتوحيد أجزاء الامة الكوردية الواحدة ( وحتى لو اتهمت الدعوة القومية بالوهم وعدم الموضوعية فأن التاريخ يشهد لنا كم من حضارات قامت على مبادئ وهمية وكم منها انهارت على نفس الاوهام ) !!

ولعل من الواضح ان نشير بأن الانسان الفرد دائم الشكوى من حياته وليس هناك ما يخفف الم الشكوى غير الامال القومية وبالأمل وحده تقاد الامة ، والامة لاتقاد الا بتقمص احلامها اذ بدون الامل تعيش الامة في فراغ عميق وتبقى منقسمة على نفسها ولاتعرف ضبط نفسها فلا تلبث ان تضبطها الامم الاخرى كما حدث للقبائل الكوردية في حينها !

ومع كل هذا لايجوز لنا ان نلوم هذه القبائل لان اكثر العباقرة بصيرة قد حنى امام احكام الاوهام الدينية طيلة آلاف السنين كما ليس لاحد ان يلوم هؤلاء العباقرة مادامت هذه الاوهام هي وليدة اللاشعور الذي يقودنا على الدوام و معنى هذا فأن مزاج الامة ذا العرق المعين يكمن في هذا اللاشعور وفي هذا المزاج يكمن مصير ومقادير الامة !

وباختصار أذا كان الدين يحمل الانفس من هذه الدنيا الظاهرة امام الحواس الى آخرة مغيّبة فهو المظهر الاسمى لتوق النفوس وشوقها الى الصور غير المرئية والى حياة (تصلح فيها مساوئ هذه الحياة ويكفر عن ذنوبها) كما يقول (اناتول فرانس) .

فاذا كان الكوردي لم يوفق الى بلوغ ماينشده في الواقع الذي يعرفه ويحس نقصه وعدم مؤاتاته فمن البداهة ان يلجأ الى وسيلة كافية لاشباع تلك الحاجة الدائمة في الانفس الساخطة من الواقع والمتبرمة من الحياة القاسية ، وهذه الوسيلة هي الدين فهو ينشده كي ينسى هموم حياته اليومية ليدخل الى عالم الغيب و الطمأنينة !

ومن الواضح ان نشير بأن التعصب وعدم التسامح كثيرا ما يلازمان الشعور الديني ونتيجة لهذا التعصب وعدم التسامح ولكون العقيدة الدينية في القبيلة تستلزم الخضوع الاعمى و التعصب الشديد نجد بأن رئيس القبيلة كثيرا مايكون رئيسا روحيا لها ايضا .

فنرى ابناء القبائل يعبدونه ويقيمون له صورا وهياكل في نفوسهم كما لو كان الها فيسهل على هذا الرئيس ان يقودهم متى ما أراد بيسر وسهولة !

غير اننا نجد بأن بعض القبائل الكوردية التي اقتربت من الحضارة والتقدم بشكل من الاشكال لم تعد تكتب لها الغلبة في صراعها مع العقل والواقع فأصبحت لبعض افرادها عادات و تقاليد تمنعها من سماع ما كان يهيمن عليها من الاوهام الدينية تلك التي تعلقت بها الخرافات البعيدة عن روح الدين الحقيقي !

ومع تسليمنا بالعادات الخلقية وتغلبها على العادات الدينية (تلك التي تعلقت بها الاوهام والخرافات) فأن المعتقدات الحضارية والسياسية والاجتماعية المتولدة من العادات العقلية في اكثر صورها لا تأخذ للمسائل الدينية من اثر كبير في أرواء الافئدة المتعطشة الى الكرامة والتنزه والاخلاص !(1)

 

(الدين الاسلامي في القبيلة الكوردية)

ورد في مؤلف الاستاذ رشيد الجاوشلي حول تقبل الكورد للدين الاسلامي ما نصه ( عند ظهور الديانة الاسلامية الحنيفة من مبعث الوحي في مكة المكرمة سافر عدد من علماء الاكراد والمتنفذين الى المدينة في عهد الخليفة عمر بن الخطاب(رض) ، ان الزائرين المذكورين اتصلوا بالخليفة الاسلامي العادل وبعد عودتهم قبل تقدم الجيوش الاسلامية نحو العراق وايران والاناضول بثوا دعاية واسعة للدين الاسلامي واصبحوا داعين لانخراط الناس في الدين الحنيف، وقبل وصول الجيوش الاسلامية الى الديار الجنوبية من العراق قبل الاكراد الدين الاسلامي الحنيف دينا وعقيدة ازلية ) . (2)

من هذا القول ومن ملاحظاتنا حول المجتمع القبلي الكوردي يظهر لنا بان الكوردي من اشد المتمسكين بالدين الاسلامي فهو تقي و ورع يقيم الصلاة في اوقاتها ويغسل بماء الثلج اثناء الوضوء في اشد ايام الشتاء قساوة ويؤتي الزكاة ويصوم رمضان ويحتفل بحلوله ويحج البيت الحرام في كل عام ، حيث يركب الالاف منهم متجهين الى بيت الله الحرام وهم في غمرة الفرح والغبطة، وأذا حج اضاف لقب الحجي الى اسمه واثبت هذا اللقب في الشهادات الرسمية، وهو يزهو كثيرا عندما يسمع احدا يضيف كلمة حجي الى اسمه .

فالكوردي شديد التمسك بأهداب الدين الاسلامي وشديد الحرص على أداء فرائضه، وكثير التسامح مع من يخالفه في العقيدة الدينية لولا ان الفرس والترك ....الخ . قد دفعهم في بعض الاحيان الى منازعات دينية مع المسيحيين والارمن ...غير ان الكورد الواعين غالبا ماكانوا يفضحون نوايا الترك والفرس .فلم تكن تنجح سياسة التفرقة الطائفية في اغلب الاحيان، وحسبنا ان نستشهد بقول المستشرق الروسي(باسيل نيكيتين) في مؤلفه الاكراد ( لكن الاكراد الناضجين ماكانت لتخدعهم هذه السياسة الحميدية ومبرراتها الدينية).(4)

وهذا جواب ينسب الى الشيخ عبيد الله (3) عام -1885- وقد توجه الى انصاره يوم طلب اليه الاتراك ان يسهم في ذبح نصارى اورميا (نحن الاكراد يريد الاتراك ان يستخدمونا فقط لاضطهاد اخواننا المسيحيين وعندما تنتهي سيقوم الاتراك باضطهادنا نحن !

لانريد ان نضطهد احدا ولا ان يضطهدنا احد )

مع سياسة التفرقة التي كانت تنتهجها الحكومة العثمانية ودفع الكورد الى اثارة المذابح الدينية فأننا لانعثر على نص تأريخي يدل على ان الكورد المسلمين قد اعتدوا على حرمة الاماكن المقدسة للطوائف الدينية غير المسلمة بل كثيرا ما كان يشارك الكورد اعياد هذه الطوائف حفلاتهم التقليدية .

ولكن مع ذلك فسياسة التفرقة الدينية كانت في كثير من الاحيان تنجح في عرقلة وحدة الامة الكوردية خاصة عندما كانت هذه السياسة تتضافر مع العوامل المعرقلة الاخرى، وقد اشار احد الكتاب الى ذلك اذ يقول ( وقد كان الشعب الكوردي يعاني التجزأة الطائفية والتفرقة الدينية وتنوع المعتقدات بنسب معينة والتي كانت تشكل في مجملها عوامل معرقلة في تطور وترسخ الشعب الكوردي كامة خاصة متميزة ) ؟!

وباختصار فمنذ اعتناق الكورد الديانة الاسلامية فان القبيلة الكوردية قد وضعت نفسها لخدمة هذا الدين الحنيف، وبهذه المناسبة نستشهد بقول الكاتب العربي (عباس العزاوي) اذ يقول ( والتاريخ في مجراه وفي حوادثه البعيدة برهن على هذا العنصر الاكراد منذ دخل الاسلام صارمن اهم اركانه واخلص لعقيدته وتأثر بمبدئه السامي، ومن ثم نال نصيبا وافرا من الحضارة ومكانة مقبولة مرضية الامر الذي دعا ان تكون من اهم اركان نهضته ...وعلماؤه وادباؤه ومؤرخوه ورجال سياسته ومدنه وصناعاته كل هذا اكبر دليل بل شاهد محسوس لما ناله من المنزلة السامية (5) حتى ان زراعه في انتاجهم وعماله في اعمالهم نحن نذكرهم كونهم كانوا خدام المدنية ) .

ويجدر بنا ان نشير الى ماذكره المؤرخ الكوردي( محمد امين زكي) بهذا الصدد اذ يقول ( وصفوة القول ان كوردستان وسكانها الكورد قدموا للخلافة الاسلامية خدمات جلّى وضحوا في سبيل المحافظة عليها تضحيات عظيمة فمن ذلك ان الذي دافع عن حقوق الخليفة في بغداد وتوطيد سلطته في البلاد ضد (آل بويه) هو الباز ابو الشجاع الكردي كما ان الذي اوقف سيول الغزو المتدفقة على البلاد الاسلامية في كوردستان هو الشعب الكوردي والعشائر الكوردية بفضل تدابير وبسالة رجال الحكومة المروانية الكوردية ) (6) .

ومما يلفت النظر ان القرية الكوردية تكاد لا تخلو من مسجد او مسجدين على الاقل ومن امام وطلاب دين، ومن التقاليد المرعية لدى رجال الدين في القبيلة الكوردية هو تعليم الناشئين القراءة والكتابة وتربيتهم على الاخلاق الكريمة التي أتى بها الدين الحنيف والتي تتلخص بغرس النفوس كراهية المحرمات كلعب الميسر وشرب الخمر، وتعاطي المجون والفسق. ومن الكبائر التي لا تغتفرلدى بعض القبائل هو ان يشرب احد ابنائها المسلمين خمرا فيتعرض له الاطفال بالضرب والاهانة والقذف بالحجارة وأذا ما رأى القبلي احدا يحتسي خمرا نظر اليه نظرات شرزة كلها كراهية و حقد احتقارا وازدراءا .

 

:::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::

  1. عن كتاب (الاسس النفسية للقبائل الكوردية) للأستاذ هاشم طه عقراوي

 

  1. هادي رشيد الجاوشلي في كتابه الموسوم ( التراث التاريخي للقومية الكردية ) ص 66

 

  1. الشيخ عبيدالله هو احد زعماء الاكراد الذي قاد الثورة الكوردية عام 1880م في منطقة شمدينان ، وكان يهدف الى دولة كردية مستقلة تشمل الجزء الجنوبي من منطقة (وان) والجزء الشمالي من ولاية الموصل وفي اواخر ايام حكمه دخل في معركة مع الجيش الايراني وانتهت المعركة بنفيه الى الحجاز .

  2. باسيل نيكيتين الاكراد

(5) العزاوي عباس (عشائر العراق الكوردية) ص 28

(6) زكي محمد امين (خلاصة تاريخ الكورد وكوردستان) ص 250

 

بقلم الشاعر والاعلامي رمزي عقراوي من كوردستان - العراق

 

 

 

 

سِراجُ القُطْرُب

بيْن التَّرَائِبِ

كمال التاغوتي: يَنْسَى لَيْلَهُ لِيَزُفَّ خَيْلَهُ نَجْمًا…

علَى ضِفَافِ الجَحِيمِ

كمال التاغوتي : سَــاحِرَةٌ تِلْكَ القَطِيفَةُ…

الضَّبَـــابُ

كمال التاغوتي: حِجَابٌ مِنْ مِيَاهٍ رَاحِلَة عَلَى صَهَواتِ…

أرْبَـــابُ الفَسَــــــــــــــــــــادِ

كمال التاغوتي: عَلَى جُــرْفِ هَــذَا النِّظَامِ السَّلِيخِ…

تشي غيفــارا

كمال التاغوتي تُغْوِيهِ أرْوِقَةُ البَحْــرِ فِي…

مختارات

الغرفة

تطلع التنهيدة من عمق مضطرب، يمرر يده على جبينه يمينا…

طبيبة ملاك

قال لي جليسي:"شاهدت فيلما سينمائيا أربع مرّات متتالية".قلت…

لا أنْــوَار إلا في هذا الفخّــار

(رسالة إلى الحلاج، كتبها بعض مُريديه. وقيل إنه أمْضى بعد…

الى سهل نينوى

للشاعر الاعلامي رمزي عقراوي مهداة الى أرض الشمس و الحضارة…

احتفالية في الرباط بصدور "الأعمال الكاملة" لمبارك ربيع

احتفت وزارة الثقافة والمسرح الوطني محمد الخامس مساء أمس…

الاكثر قراءة

مَحَاجـرُ التـِّيهِ قـَـبْـضَـة ٌعُـنـْوَانـُهَا " أنـْـتِ سَـمَايْ ... "

( قـَالـَتْ ... اِنـْـتـَبهْ ... فـَقـَدْ إشْـتـَـبَهْ…

هجرة الأندلسيين إلى منطقة الريف من المغرب الأقصى

توطئــــــة:استقر المسلمون بالأندلس ثمانية قرون منذ أن…

المجاهدين – قصة قصيرة

حسين علي غالب تنزل الرايات ، ويرمي الجميع أسلحتهم…

إعلان نعي

يتدافع الأدباء والمثقفين والإعلاميين نحو ذاك البيت الصغير…
Default Image

تسالات الهدرة...

تسالات الهدرة...و ما عاد الكلام ينفعيهمني راسي..وما شي…