الجمعة, 31 آذار/مارس 2017 11:54

الحيرة.

كتبه 

السيد شليل:

لم أنتبه لقائلها؛ حيث أن السيارة التي كان يركب فيها، كانت مسرعة جدا يتبعها سحابات كثيفة من التراب؛ حيث حجبت عنى الرؤيا.
أكملت طريقي ذاهبا إلى المعرض، الذي أعمل به نجارا وبائعا للموبيليا.
الطريق بيني وبين المعرض ليست بعيدة، ولكنها طريق رئيسية لمدخل المحافظة.
على جانب الطريق عمارات شاهقة الارتفاع، ومعارض كثيرة بوجهات زجاجية فخمة، وجدران مبطنة بالحجر الفرعوني، والرخام غالى الثمن، ولافتات النيون الكبيرة مرشوقة في كل الاتجاهات وبجميع الأحجام مطفأة نهارا، وعلى الجانب الأخر من الطريق وقفوا في أشكال غير منتظمة، كل واحد أمام دراجته التي يميزها باكسسوارات غريبة، من كفوف اليد النحاسية والفضية، والملصقات التي تكفيها، وتكفى صاحبها شر العين، معا.
يتحدثون بصوت عال، وعيونهم ترقب نمر السيارات الغريبة، التي تمر من أمامهم
تارة يوقفونها، وتارة أخرى يمشون وراءها، حتى يجبروا سائقها على الوقوف أمام أي معرض يعرفونه.
دنا منى قائلا: ماله ده؟
..... فكرته مصلحه؟
دار بخلدي غرفة النوم التي قمت بالأمس بتركيبها، والمقابض الناقصة التي طلبتها من زين ابن الحاج زين الدين صاحب المعرض، حتى أقوم بتركيبها ويكتمل تشطيب الغرفة، وتصبح معدة للعرض.
كان كل شيء كما تركته بالأمس، حتى بقايا المعجون الذي قمت بحكه وفركه لتنظيف ثقوب "الدسر “حتى أتمكن من تركيب الغرفة كاملة فوجود هذه الزيادات التي يضعها الاسترجى؛ لتخفى بعض عيوب الأخشاب تعوق عملية التركيب معي.
ـ محدش إجا؟
ولا زبائن، ولا البنات، ولا حتى جبتلك المقابض الناقصة!!
صعدت إلى الطابق الأول من المعرض، بدا المكان هادئا وكل شيء في مكانه نظيفا ملمعا الا الأرضية فقد شابها بعض الأتربة.
درت ببصرى في المكان كله متمما على غرف النوم، والسفرة كل شيء في مكانه تماما، الدواليب تتصدر الواجهات، وقد وضعت بداخل دلفه اليمنى كمودينو، وبالدلفة الأخيرة الكمودينو الثاني، وبجانب الدولاب كان السرير مفروشا “بالملة" ومن فوقها المرتبة الإسفنجية، وعليها وسادة بعرض المرتبة، وفى الجهة المقابلة للسرير كانت التسريحة بمرآتها الكبيرة، وإلى جوارها الشفنيرة. وهذا التصميم لا يدوم طويلا فلابد من التنوع بالنسبة للموديل، واللون وعلي مراعاة ذلك حتى في تنسيق الألوان بين الشكولاتة، والمط، ، واللميع المودرن ، والكلاسيك والاستيل، كل موديل وله طريقته الخاصة في العرض.
سمعت صوت أقدامه على السلم، قام بإغلاق الكثير من الأنوار التي كنت قد أضأتها: البنات إجم؟
لم ينتهي من كلامه حتى وجدتهن بلباس الشغل أمامي، كانت طريقته في الكلام
توحى بصدام وشيك بيننا، كنت قد قررت أن أصعد إلى الطابق الثاني.
انتبه لمحاولتي قائلا: خليك معاهم!
وتابع كلامه؛ وهو يهبط السلم: خفوا النور ونظفوا كويس.
قالت لي، بصوت مبحوح: فطرت؟
كنت عندما أرى وجهها المتورد يتحرك شيء بداخلي، وتنشب
في نار ويخرج من وجهي صهد لا أعرف سببا له.
فأتلعثم، ولا أستطيع نطق كلمة واحدة فتضحك، وهي تحاول مسح عرقي
بطرف عباءتها، فتنتابنا رعشة قوية، وأنا أرى بنطلونها المشجر الذي ترتديه أسفل العباءة.
كانت تختار المكان الأقرب من درابزين السلم؛ حتى تتمكن من كشف
وسماع أي شيء يدور بالأسفل، وعندما تشعر بأي حركة أو صوت تبتعد
عنى، وتمسك بالمنفضة المصنوعة من قصا صات الأقمشة
لتنفض بها شلت الصالونات، والأنتريهات المغلفة والمطعمة
بالخشب المدهون" بالأستر" وهي تنظر ناحيتي وتضحك
أما عن سماح في الأمر مختلف تماما فكانت هادئة تتكلم نادرا
تتابع نظرات سلوى لي وهي تمسك ببطانة قطنية؛ تلمع بها واجهات
الدواليب.
ذات يوم أعطتني منديلا معطرامن القماش الآبيض
وهي تقول لي: هذا أفضل من العباءة؟
-هل شاهدتني مع سلوى؟
-أم شاهدتها وهي تحاول تقبيلي؟
كنت أول مرة أنتبه فيها إلى لون عينيها البنيتين وبشرتها البيضاء
أخذت المنديل وأنا أمسك بيدها معه فسقط على الأرض
فنزلنا معا نلتقطه؛ فوقعت طرحة رأسها؛ فنكشف شعرها الأشقر مسرحا
مغروسا به دبابيس سوداء في أماكن غير منتظمة كادت أنفاسنا تتقارب
حتى كدنا نتلامس، ولكن الغريب في الأمر لم أشعر لا بنار تنشب في جسدي
ولا صهد خارج من وجهي، كما كان يحدث بيني وبين سلوى.
هبطنا إلى الأسفل وكل منا يحاول أن يجد ما يحمله من السفرة التي وصلت لتوها. لفت سمعي صوت سعيد الاسترجى وزين يشرح له عيوبا في الدهان وأنها بالتأكيد لن تعجب أحدا ولن يعطيه حقها الا إذا بيعت.
انتبها لوجودي فمنعا الكلام وخرج زين وتحدث مع منجد الصالونات وأعطاه مصروفا وعمم كلامه للجميع ممن كانوا ينتظرون خارج المعرض: الحساب بعدين.
جاءني صوت أكاد أعرفه من خارج المعرض، وما أن خرجت حتى وجدت سيارة ميكروباص بيضاء اللون، ينزل منها مجموعة من الرجال، والنساء والأطفال يسبقهم شبان اعرفهما قالا بصوت خافت: فرجهم واعمل حسابنا.
بدأ الجميع في دخول المعرض، وقد أشعلت كل مفاتيح الإضاءة المتناثرة في سقف المعرض.
انتفض زين مرحبا بالجميع، وأصدر أوامره للبنات بعمل الشاي، واحضار الماء البارد، وبدأ هو في اخراج مجموعة من العلب الصغيرة، بها بعض من أكياس الكركاديه، والينسون، والكابتشينو.
كانوا يتهامسون فيما بينهم، ويسترقون النظر تجاهي ثم تنتابهم هستيريا الضحك
قاطعت الجميع. أأمر يا فندم؟
تقدم منى شاب وجهه مازال يحتفظ ببقايا ضحكات قائلا: قابلناك الصبح وكنت سرحان، وقلت لك "تتعشى ولا تنام خفيف"!
رحنا جميعنا في نوبات ضحك متواصلة.
جلس الجميع يشربون الشاي والينسون الا الأطفال ظلوا يتحركون في كل أرجاء المعرض وصوت ضحكاتهم وصراخهم يملأ المكان. هنا قررت الصعود للطابق العلوي وأصدرت أوامري للبنات أن يتقدمن ويضئن كل أنوار الطابق العلوي.
اتفقوا على غرفة النوم التي ينقصها المقابض. وغرفة السفرة التي وصلت لتوها
ولم يعجبهم عندنا لا صالون، ولا غرفة أطفال فلقد كان رأى أم العريس بالنسبة للصالون أن كل الاشكال، التي رأتها هنا موضة قديمة وهي تريد لابنتها أجمل
وأحدث شيء.
لم أجادلها لأنني فهمت المغزى من كلامها عندما نظرت لام العروسة موجه لها الكلام، ثم بادلتها أم العروسة الكلام بأن كل الاشكال هذه رأتها من قبل وهي تريد لابنها ما لاعين رأت منقبل، ولكنها نظرت هذه المرة للجميع.
كل هذا عادى فنحن متعودون عليه يوميا. هبطنا السلم وما أن وصلنا إلى المكتب حتى جلس الجميع، وهب زين واقفا وأشار لي ناحية الكرسي طالبا منى الجلوس على كرسي المكتب والتعامل معهم.
أخذوا ورقة الأسعار، وبدأوا يتشاورون بصوت خافت وانا انظر ناحية البنتين وطاحونة رأسي يطحن بأفكار عدة أهمها خطيب سلوى الذي حدثتني عنه وأنه لم يعد يستطيع الصبر أكثر منذ لك ولقد وصل بالأمس من سفره وخيرها اما أن تكمل جهازها والجوازة او أن يخطب غيرها.
مد لي بورقة الأسعار وأمام أرقامي كتب أرقاما أخرى قلت مبتسما: ياريت ينفع؟
سحب الورقة بحياء شديد ونظر تجاهي قائلا: إكرمنا!
- نقسم البلد بلدين؟
أعطاني النقود وهو ينظر في عيني طالبا مباركتي للبيعة، أصدرت أوامري للبنات فكوا ولفوا"”
. ضربت الفرحة أوتادها في المكان، وانتشرت حتى أن النساء أطلقن الزغاريد. وبدأن في تقبيل أحداهن، ظننت أنها العروسة.
وخرجوا جميعا وقبل أن يركبوا السيارة دنوت من أحدهم وكان رجلا كبيرا في السن وطلبت منه “الدخان"
لي وللبنات نظر لي مبتسما، وهو يخرج بعض من الورقات دسها في جيبي: مش هاوصيكوا؟
وصل الحاج زين الدين لتوه بسيارته التويوتا، ونزل منها مشيرا لابنه بعد ما فتح شنطة السيارة، وقام زين بإخراج بعض علب الحلوى، والمشبك ووضعها في السيارة الميكروباص البيضاء، وهو يسلم على أفرادها بوجه فرح.
تحركت السيارة ومن وراءها سائقا الدرجة البخارية. دنا منى زين ودس بعض الورقات في جيبي، بعد ما أعطى للشابين ما طلبوه والبنات من خلفي يرتدين ملابسهن استعدادا للمرواح ووجوههن يعلوها ملامح التعب، والاجهاد اقتربت منهن وتقاسمت معهن بعض الوريقات التي دست في جيبي. وأنا مازلت أتذكر شعر سماح الأشقر، وبشرتها البيضاء وأنا أمسح عرقى بالمنديل القماش المعطر..

قاص وروائى من مصر/دمياط

 

 

سِراجُ القُطْرُب

بيْن التَّرَائِبِ

كمال التاغوتي: يَنْسَى لَيْلَهُ لِيَزُفَّ خَيْلَهُ نَجْمًا…

علَى ضِفَافِ الجَحِيمِ

كمال التاغوتي : سَــاحِرَةٌ تِلْكَ القَطِيفَةُ…

الضَّبَـــابُ

كمال التاغوتي: حِجَابٌ مِنْ مِيَاهٍ رَاحِلَة عَلَى صَهَواتِ…

أرْبَـــابُ الفَسَــــــــــــــــــــادِ

كمال التاغوتي: عَلَى جُــرْفِ هَــذَا النِّظَامِ السَّلِيخِ…

تشي غيفــارا

كمال التاغوتي تُغْوِيهِ أرْوِقَةُ البَحْــرِ فِي…

مختارات

ملحمة ( كوردستان الكبرى )

للشاعر الاعلامي رمزي عقراوي (1) تكلمي دافعي عن نفسكِ…

اجمل قصيدة

 للشاعر رمزي عقراوي والتقينا في الغربة ... وانت تحملين في…

قصيدة ملك موت الأعداء!

اعداد وترجمة الشاعر رمزي عقراوي == الى شهيد ثورة أيلول…

الــعــصفــور تـمـرد

مـال هـاد الـعـصـفـورتــمــردو لا بـاقيبـغـا…

الأنا و آخرها المتعدد، قراءة في فيلم "غلطة لفولتير لعبد اللطيف قشيش"

"غلطة لفولتير فيلم فرنسي من اخراج عبد اللطيف قشيش يروي قصة…

الاكثر قراءة

مَحَاجـرُ التـِّيهِ قـَـبْـضَـة ٌعُـنـْوَانـُهَا " أنـْـتِ سَـمَايْ ... "

( قـَالـَتْ ... اِنـْـتـَبهْ ... فـَقـَدْ إشْـتـَـبَهْ…

هجرة الأندلسيين إلى منطقة الريف من المغرب الأقصى

توطئــــــة:استقر المسلمون بالأندلس ثمانية قرون منذ أن…

المجاهدين – قصة قصيرة

حسين علي غالب تنزل الرايات ، ويرمي الجميع أسلحتهم…

إعلان نعي

يتدافع الأدباء والمثقفين والإعلاميين نحو ذاك البيت الصغير…
Default Image

تسالات الهدرة...

تسالات الهدرة...و ما عاد الكلام ينفعيهمني راسي..وما شي…